
كتبت هويدا أبوالحسن؛ عقارب الساعة في لبنان… من قرارات الماضي إلى حياة المواطن اليوم
في كل ربيع، تُقدَّم الساعة ستين دقيقة، وفي الخريف تُعاد إلى التوقيت الشتوي. قد يبدو الأمر إجراءً روتينيًا، لكن تاريخ التوقيت الصيفي في لبنان يكشف كيف يمكن لقرار إداري أن يتحوّل إلى قضية تمسّ حياة المواطنين وتثير جدلًا واسعًا.
اعتمدت ألمانيا التوقيت الصيفي عام 1916، خلال الحرب العالمية الأولى، بهدف الاستفادة من ضوء النهار وتقليل استهلاك الموارد المستخدمة في الإنارة. أما في لبنان، فقد شهد عام 1940 تنظيمًا للتوقيتين الصيفي والشتوي خلال فترة الانتداب الفرنسي، استنادًا إلى قرارات صادرة عن المفوض السامي الفرنسي. وفي 20 آب 1998، أقرّ مجلس الوزراء القرار رقم 5، الذي حدّد مواعيد الانتقال بين التوقيتَين، بما يتلاءم مع أنظمة الملاحة الجوية الدولية.
يهدف هذا النظام إلى الاستفادة من ضوء النهار خلال ساعات المساء، مع احتمال الحدّ من الحاجة إلى الإنارة. غير أن أثره الفعلي على استهلاك الطاقة والاقتصاد لم يعد أمرًا محسومًا، ما يجعل تقييم جدواه في لبنان بحاجة إلى دراسة محلية تستند إلى بيانات واضحة، بدلًا من الاكتفاء بالافتراضات.
عندما أصبحت الساعة قضية خلافية
في آذار 2023، أُعلن تأجيل تقديم الساعة إلى ما بعد شهر رمضان، بموجب مذكرة رسمية صدرت في 23 آذار، قضت ببدء العمل بالتوقيت الصيفي منتصف ليل 20-21 نيسان، بدلًا من الموعد المعتاد. وقد أثار القرار اعتراضات واسعة، إذ أعلنت مؤسسات تعليمية وإعلامية وجهات أخرى التزامها بالتوقيت الصيفي، فيما استمرت جهات ثانية في اعتماد التوقيت الشتوي.
وانعكس هذا الاختلاف على تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ اضطر الأهالي إلى التأكد من مواعيد دوام المدارس، والطلاب إلى متابعة توقيت المحاضرات، والموظفون إلى التحقق من ساعات العمل، فيما واجهت المؤسسات صعوبة في توحيد مواعيدها.
وفي 27 آذار، تقررت العودة عن التأجيل، ليبدأ العمل بالتوقيت الصيفي منتصف ليل 29-30 آذار. وكشفت هذه الأزمة أن غياب التنسيق والإعلان الواضح قد يحوّل تعديلًا إداريًا بسيطًا إلى مصدر إرباك للمواطنين والمؤسسات.
في ظل الأزمات المعيشية والاقتصادية، ترتبط حياة اللبنانيين بمواعيد دقيقة، من انطلاق الحافلات وفتح المدارس وبداية الدوام الرسمي، إلى مواعيد الرحلات الجوية والمراجعات الطبية. وأي تغيير مفاجئ قد يفرض على المواطنين إعادة ترتيب التزاماتهم، خصوصًا عندما تختلف الساعات المعتمدة بين المؤسسات.
لذلك، تبرز الحاجة إلى تقييم جدوى التوقيتين الصيفي والشتوي وفقًا للواقع اللبناني، من خلال دراسة أثرهما على استهلاك الكهرباء والوقود، والإنتاجية، والنقل، والصحة العامة. فاستمرار العمل بنظام معيّن لمجرد الاعتياد عليه لا يكفي لتبرير جدواه، كما أن إلغاءه لا ينبغي أن يتم من دون دراسة علمية واضحة.
وتقتضي المصلحة العامة اعتماد آلية واضحة ومستقرة لتحديد التوقيت الرسمي، مع الإعلان عن أي تعديل قبل موعد تطبيقه بوقت كافٍ، والتنسيق مع المدارس والجامعات والإدارات العامة وقطاعات النقل والخدمات، تفاديًا لتضارب المواعيد وتكرار أزمة عام 2023.
فمسؤولية الجهات المعنية لا تقتصر على إصدار القرار، بل تشمل أيضًا دراسة أثره على حياة الناس وضمان تطبيقه بصورة واضحة ومتناسقة.
قد يملك المسؤولون قرار تقديم الساعة أو تأخيرها، لكنهم لا يملكون حق الاستهانة بوقت الناس. فالساعة ستبقى تدور، لكن السؤال الذي يجب أن يواجهه المسؤولون هو: هل ستتقدّم القرارات نحو مصلحة المواطن، أم سيبقى المواطن وحده يدفع ثمن تأخرها؟



