خاصمقالات

الامتحانات الرسمية بين الواجب ووجع الطلاب

إصرار وزارة التربية على إجراء الامتحانات الرسمية وسط الأزمات الأمنية والنفسية يثير جدلًا واسعًا حول الأولويات التربوية والإنسانية في لبنان.

الامتحانات الرسمية بين الواجب ووجع الطلاب

كتبت هويدا ابو الحسن لموقع بِكَفّيكم؛ الامتحانات الرسمية بين الواجب ووجع الطلاب.

يعيش لبنان واحدةً من أكثر مراحله قسوةً ووجعًا، مرحلة تختلط فيها أصوات الدراسة بأصوات العدوان، وتمتزج فيها أحلام الطلاب بالخوف، فيما يواصل الناس يومياتهم المثقلة بالقلق، مترقبين خبرًا قد يحمل وجعًا جديدًا أو خسارةً جديدة.

‎وسط هذا المشهد الثقيل، تصرّ وزيرة التربية على إجراء الامتحانات الرسمية، وكأن البلاد تعيش حالة استقرارٍ طبيعي، وكأن الطلاب يجلسون إلى مقاعدهم بطمأنينة، لا تحت ضغط الخوف والتوتر والقلق النفسي الذي بات جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية.

‎يثير هذا الإصرار أسئلة موجعة لا يمكن تجاهلها: هل أصبحت الورقة الرسمية أهم من الإنسان؟ هل صار الحفاظ على موعد الامتحانات أولوية تتقدّم على الواقع النفسي والاجتماعي الذي يعيشه آلاف الطلاب وأهاليهم؟

‎أي تربيةٍ تُبنى فوق خوف؟ وأي عدالةٍ يمكن الحديث عنها في بلدٍ تختلف فيه ظروف الطلاب إلى هذا الحد؟

‎هناك طالب يدرس فيما قلبه معلّق على أبٍ أو أخٍ في منطقة خطر، وآخر يحاول الحفظ وسط انقطاع الأمان، وثالث يعجز أصلًا عن التركيز بعدما أثقلته مشاهد القتل والتنكيل والخوف اليومي. وهناك من فقد الشعور بالاستقرار النفسي، ومن يعيش نزوحًا أو ضغطًا اقتصاديًا خانقًا، ومن باتت أولويته النجاة لا التفوق.

‎كيف يمكن أن نقنع هؤلاء أن الظروف “متساوية” وأن الامتحانات ستكون عادلة؟

‎لا أحد يقف ضد العلم، ولا أحد يريد تعطيل مستقبل الطلاب، لكن الدفاع عن التعليم لا يعني تجاهل الإنسان. فالتربية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الامتحانات التي أُجريت، بل بقدرة المؤسسة التربوية على فهم واقع طلابها والتعامل معه بمسؤولية ورحمة.

‎يثير الاستغراب أن يُقدَّم الإصرار على الامتحانات وكأنه بطولة إدارية أو انتصار للمؤسسات، بينما يبدو لكثيرين وكأنه انفصالٌ عن الواقع المؤلم الذي يعيشه اللبنانيون. فالمؤسسات لا تثبت حضورها عبر تجاهل معاناة الناس، بل عبر الإصغاء إليهم وإيجاد حلول تراعي الظروف الاستثنائية.

‎الطالب ليس آلة تُبرمج على الدراسة مهما اشتدت الأزمات، بل إنسان يحمل مخاوفه وهشاشته وتعبه النفسي. ومن الظلم أن يُطلب منه أن يتصرّف وكأن كل شيء طبيعي فيما وطنه كله يعيش على حافة القلق.

‎يبدو مؤلمًا أن يشعر بعض الطلاب بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة هذا الضغط، وكأن المطلوب منهم أن ينجحوا رغم كل شيء، لا أن يُفهَموا أو يُدعَموا. فالنجاح الحقيقي لا يكون فقط بالحصول على علامة مرتفعة، بل أيضًا بحماية التوازن النفسي لجيلٍ كامل يواجه ظروفًا تفوق عمره وقدرته.

‎معالي وزيرة التربية، لا يحتاج الأمر إلى مزيد من الصلابة بقدر ما يحتاج إلى قدرٍ أكبر من الإصغاء. انظروا في عيون الطلاب قبل دفاترهم، واسألوا الأمهات عن ليالي القلق، واستمعوا إلى خوف الأهالي الذين يحاولون إخفاء ارتباكهم حتى لا ينهار أبناؤهم.

‎تحمل المسؤولية لا يعني التمسك بالقرار مهما كانت الظروف، بل امتلاك الشجاعة الكافية لمراجعته عندما يصبح الإنسان هو الثمن.

‎لبنان اليوم لا يحتاج قرارات جامدة بقدر ما يحتاج حسًّا إنسانيًا يُدرك أن أبناء هذا الوطن ليسوا أرقامًا في لوائح الامتحانات، بل أرواحًا متعبة تحاول أن تتمسك بالأمل وسط كل هذا الألم.

‎تبقى الشهادات مهمة، ويبقى العلم طريق الخلاص، لكن الأوطان لا تُبنى بأوراق الامتحانات وحدها، بل بإنسانٍ يشعر أنه مُصان ومفهوم ومحمي. ففي زمن الأزمات، يجب أن تبقى كرامة الإنسان وراحته النفسية فوق أي إجراء، لأن التعليم الذي يتجاهل وجع طلابه يفقد جوهره، ولأن الإنسان سيبقى دائمًا الأولوية… قبل أي امتحان، وقبل أي قرار

Loris jewelry: Make milestones memorable
أجمل لحظاتك الفريدة لا تُنسى... احتفل بها مع مجوهرات مصنوعة يدويًّا

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com