
محاكمة بشار الأسد ومسار العدالة الانتقالية
خاص بِكَفّيكم: جلسة دمشق الأولى تفتح ملف الجرائم السورية واللبنانية المؤجلة
كتبت رزان غازي؛ لم تكن الجلسة الأولى في دمشق مجرد إجراء قضائي عابر، بل لحظة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية… مع انطلاق محاكمة غيابية للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر، في مقابل محاكمة حضورية لمسؤولين أمنيين، يتقدمهم عاطف نجيب! أحد أبرز رموز القمع في درعا حيث انطلقت شرارة الثورة السورية عام 2011.
هذه المحاكمة، وإن جاءت متأخرة، تفتح الباب أمام مساءلة نظامٍ حكم بالحديد والنار لعقود… وترك وراءه مئات آلاف الضحايا، وملايين المهجرين، وعشرات آلاف المفقودين، في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث.
هل تنجح محاكمة بشار الأسد ومسار العدالة الانتقالية في إنصاف الضحايا؟
لكن الجرائم لم تبدأ عام 2011، بل تعود جذورها إلى منظومة أمنية قمعية تأسست منذ عهد حافظ الأسد، واستمرّت مع بشار، الذي لم يكن سوى امتدادٍ لهذا النهج، بل ربما أكثر عنفاً في مواجهة شعبه.
في ذاكرة اللبنانيين… لا يُختصر هذا النظام بالحرب السورية فقط، بل يرتبط بسلسلة اغتيالات سياسية هدفت إلى كسر الإرادة الوطنية وإخضاع لبنان للوصاية. في طليعة هذه الجرائم، اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط عام 1977. الذي شكّل لحظة مفصلية في تاريخ لبنان، الذي لم يكن حدثاً معزولاً، بل بداية لمسار طويل من العنف السياسي المنظم… استهدف شخصيات لبنانية بارزة رفضت الانصياع للقرار السوري المستبد. منها بشير الجميّل، رينيه معوّض، المفتي حسن خالد، جبران تويني، باسل فليحان، وسام الحسن، وسام عيد، انطوان غانم، بيار الجميّل، محمد شطح. ومحاولة اغتيال مروان حمادة، ومي شدياق.
ومع مرور السنوات، تكررت الجرائم، وصولاً إلى اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام 2005. في جريمة هزّت لبنان والمنطقة، وأطلقت مساراً سياسياً جديداً أنهى مرحلة الوصاية السورية المباشرة.
وبين هاتين الجريمتين، امتد سجل طويل من الانتهاكات: اعتقالات تعسفية، تصفيات جسدية، وتدخل مباشر في الحياة السياسية اللبنانية، ما جعل العلاقة بين النظام السوري ولبنان قائمة على الخوف والإكراه، لا على الأخوّة المزعومة.
اليوم، ومع بدء محاكمة رموز هذا النظام، يعود السؤال: هل يمكن للعدالة أن تُنصف الضحايا بعد كل هذه السنوات؟ وهل تكفي المحاكمات ولو غيابية، لمحاسبة منظومة متكاملة من القمع؟
ما يجري في دمشق هو خطوة أولى، لكنها تبقى ناقصة ما لم تشمل كل الجرائم، من درعا إلى بيروت، ومن سجون النظام إلى ساحات الاغتيال في لبنان. فالعدالة لا تتجزأ، ودماء كمال جنبلاط ورفيق الحريري، جزء من معركة واحدة ضد الطغيان.
لقد سقط النظام، أو على الأقل تهاوت أركانه، لكن إرثه الثقيل لا يزال حاضراً. ومحاكمة بشار وماهر الأسد، حتى لو كانت غيابية، تحمل دلالة رمزية كبيرة: أن زمن الإفلات من العقاب بدأ يقترب من نهايته.
في الخلاصة، تشكّل هذه المحاكمات خطوة أولى على طريق طويل ومعقّد… يضع القضاء السوري أمام اختبار حقيقي في مسار العدالة الانتقالية. فمحاسبة رموز نظام امتد لعقود، وارتبط اسمه بانتهاكات جسيمة داخل سوريا وخارجها. لن تكون مسألة جلسات محدودة أو أحكام سريعة، بل مسار طويل الأمد يتطلب إرادة سياسية، وإمكانات قضائية… وغطاءً دولياً يضمن الوصول إلى الحقيقة الكاملة. وبين رمزية المحاكمات الغيابية وثقل الجرائم المرتكبة… يبقى التحدي الأساسي أمام القضاء السوري هو تحويل هذه البداية إلى مسار مستدام يفضي إلى عدالة حقيقية، لا مجرد لحظة عابرة في تاريخ مثقل بالدم والذاكرة.



