
عندما يُدار الوطن كـ”دكان عائلي”… تضيع المؤسسات ويُعاد تدوير الفشل
كتبت د. ضياء عزام؛ تظهر في قلب الأزمة الاقتصادية والسياسية الطويلة التي يعيشها لبنان، حيث يتآكل الاقتصاد الوطني وتتدهور الخدمات العامة وترتفع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، أهمية الإدارة الرشيدة كشرط أساسي لأي إنقاذ حقيقي.
المدير الناجح هو القائد القادر على صياغة رؤية استراتيجية واضحة، وإدارة الموارد بفعالية، واستثمار التكنولوجيا الحديثة لتعزيز الكفاءة والشفافية في مختلف العمليات.
كما تلعب إدارة الموارد البشرية دوراً محورياً في هذا السياق، إذ يعتمد نجاح أي مؤسسة في قدرتها على استقطاب واختيار الكفاءات بناءً على معايير مهنية موضوعية.
عندما يتم التوظيف وفق الخبرة والمهارات والنزاهة، تنمو المؤسسة وتتطور، أما حين تسود المحسوبيات الضيقة والوساطة، فإن النتيجة تكون تآكل المؤسسات وفشلها التدريجي.
يُظهر الواقع اللبناني نموذجاً صارخاً لهذا الفشل، فالمؤسسة، سواء كانت شركة خاصة أو وزارة أو حزباً سياسياً، لا تسقط لأن السوق انهار أو لأن الحرب طرقت الأبواب، تسقط عندما تُدار بمنطق “من تعرف” بدلاً من “ماذا تعرف”!
وفي لبنان، تحوّلت هذه الحقيقة من تحذير نظري إلى واقع يومي نعيشه في كل قطاع.
أدى النظام الطائفي والمحاصصة السياسية إلى سيطرة الولاءات الحزبية على التعيينات في المؤسسات الحكومية، مما أدى إلى ترهل إداري عميق وهدر هائل للموارد، مثال حي على ذلك: “مؤسسة كهرباء لبنان”، التي تراكمت فيها الديون لتصل إلى مليارات الدولارات، رغم الإمكانيات الفنية المتوفرة، بسبب التعيينات على أساس الولاءات السياسية والطائفية بدلاً من الكفاءة الهندسية والإدارية.
هذا النهج نفسه أدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء المزمنة، التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني وشلّت قطاعات الصناعة والخدمات.
ولم تقتصر الأزمة على الجوانب الاقتصادية الداخلية، بل تفاقمت بشكل كبير نتيجة الحرب التي اندلعت في لبنان عام ٢٠٢٤ ولا تزال آثارها قائمة من تدمير للبنى التحتية، وتعطل للاستثمارات، ونزوح وخسائر اقتصادية هائلة.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل الحرب هي السبب الرئيسي والوحيد للفشل الاقتصادي في لبنان، أم أنها باتت “شماعة” يُعلّق عليها فشل عقود من سوء الإدارة والمحاصصة؟
الإجابة تكمن في الواقع، فالحرب تفاقم الأزمات بلا شك، لكنها ليست السبب الجذري، فالدول التي تعرضت لحروب مدمرة استطاعت النهوض بفضل إدارة رشيدة ومؤسسات قوية تعتمد على الكفاءة.
مثال بارز على ذلك رواندا، التي شهدت إبادة جماعية عام ١٩٩٤ أودت بحياة نحو ٨٠٠ ألف شخص ودُمِر اقتصادها بالكامل، ورغم هذه الكارثة، حققت رواندا نمواً اقتصادياً مستداماً بلغ معدله أكثر من ٨% سنوياً بين عامي ١٩٩٥ و ٢٠٠٨، واستمر هذا النمو بمعدل يتراوح بين ٧-٨% في السنوات اللاحقة، حيث تحولت من اقتصاد مُدمّر إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا، من خلال إصلاحات إدارية جذرية، مكافحة الفساد، التركيز على الكفاءات، واستثمار التكنولوجيا في الزراعة والخدمات. واليوم يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي 14 مليار دولار، مقارنة بأقل من مليار دولار بعد الإبادة مباشرة.
مثال ثانٍ: كوريا الجنوبية التي بنت اقتصادها خلال الستينات والسبعينات وهي على خط تماس مع كوريا الشمالية حيث انها لم تنتظر السلام لتبدأ بالإصلاح الإداري والتعليم والتصنيع.
كذلك فيتنام التي حاربت لعقود، لكنها أعادت هيكلة إدارتها العامة وفتحت الباب للقطاع الخاص، فقفزت من الفقر إلى منافسة الاقتصادات الصاعدة.
العامل المشترك بينهم كان قراراً سياسيا واضحاً : “المؤسسة ليست ملكاً لحزب او طائفة، بل ملكاً للمواطن.”
كما أن الأحزاب السياسية اللبنانية لم تكن بمنأى عن هذا الخلل الهيكلي، ففي كثير منها، أدى التركيز على الولاء الشخصي والعائلي إلى تهميش الكفاءات واصحاب الاختصاص خاصة في الإدارة الحديثة والتكنولوجيا، ونتيجة لذلك، فشلت معظم هذه الأحزاب في بناء مؤسسات داخلية قادرة على التكيف مع التحديات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، حتى قبل اندلاع الحروب الأخيرة.
ومن الأمثلة الواضحة، الطريقة التي تعاملت بها بعض الأحزاب مع الأزمة المالية لعام ٢٠١٩، حيث ساهمت الإدارات الداخلية الضعيفة والمبنية على المحسوبية في تعميق الانهيار الاقتصادي بدلاً من احتوائه.
إن استمرار هذه الثقافة الإدارية الفاشلة يُبقي لبنان رهينة دوامة من التدهور المؤسسي، في لحظة تتطلب فيها التحديات الاقتصادية والسياسية الجسيمة، سواء في زمن السلم أو الحرب، قيادات إدارية مهنية قادرة على استثمار الموارد البشرية والكفاءات الحقيقية وأدوات التكنولوجيا الحديثة للنهوض بالاقتصاد.
نرى كل يوم وجوه شباب لم يطلبوا مناصب، طلبوا فقط فرصة عادلة! فإذا لم تمنحهم إياها دولتهم اليوم، فلا تسألوا غداً لماذا فرغ الوطن من أهله، فالمحسوبية الضيقة قد تكسبهم ولاء فرد ليوم، لكنها تخسرهم ثقة جيل كامل، والوطن الذي يُدار بعقلية الدكان العائلي، سيبقى دكاناً مهما تغيّرت لافتته.
فهل سنستمر اليوم بإلقاء اللوم على الحروب والظروف الخارجية، أم بات من الضروري إطلاق ثورة إدارية شاملة تعيد بناء الدولة والأحزاب على أسس الكفاءة والشفافية والمحاسبة؟
الجواب لن يأتي من الشعارات السياسية التقليدية، بل من إرادة صادقة لتغيير جذري في الثقافة الإدارية السائدة قبل فوات الأوان…



