
إقتصاد الظل في لبنان – كيف يُبقي إقتصاد الظل البيوت اللبنانية صامدةً على هامش الدولة؟
كتبت رباب الأحمدية لمنصة بِكَفّيكم، أصبح إقتصاد الظل (أو الاقتصاد غير الرسمي) في لبنان شبكة الأمان الإجتماعي والإقتصادي للمواطنين اللبنانيين، فهو يؤمّن لهم دخلًا وعائدات مالية تدعم معيشتهم، كما يُعتبر من أهم الروافد التي مكّنت العائلات والبيوت اللبنانية من البقاء صامدةً في وجه أعنف الأزمات المالية والإجتماعية والإقتصادية المعاصرة، والتي فرضها الأمر الواقع.
حوّل انهيار القطاع المصرفي وغياب الثقة بالنظام المصرفي التقليدي “إقتصاد الظل” اليوم إلى الركيزة الأساسية البديلة التي تعتمد عليها نسبة هائلة من العائلات اللبنانية، كون التدفقات المالية للمغتربين والتحويلات الخارجية للأموال تنفَق مباشرة في السوق المحلي اللبناني. وهي تعتبر العمود الفقري للإقتصاد غير الرسمي، وتؤمّن المصاريف المعيشية الأساسية للمواطن كالغذاء، والطبابة، والتعليم.
وتقول “أم سعيد” أنها قد تحولت من مجرد ربة منزل عادية تقوم بمهامها المنزلية اليومية إلى “مكنة لإدارة الأزمة”، لكي تتمكن من تأمين استمرار الحياة بكرامة وبأقل التكاليف الممكنة. فـ”أم سعيد” تعمل على إعداد المونة المنزلية، والمأكولات البيتية التي ورثتها عن أمها وجدتها لتأمين حاجيات البيت منها دون الاضطرار إلى شرائها من الخارج. كما أنها تجتهد في تحضير المونة اللبنانية التقليدية بكميات كبيرة في المنزل، كالكشك, والمكدوس, والمخللات, ورب البندورة، وتجفيف الفواكه والأعشاب، وتقطير ماء الورد والزهر، بالإضافة الى إعداد المربيات البيتية على مختلف أنواعها بهدف تسويقها وبيعها في الخارج من أجل تأمين مدخول مالي إضافي.
بينما يعمل “أبو سعيد”، بالتناوب مع جيرانه، على نقل أبنائهم من وإلى المدرسة، بهدف توفير أجرة الباص وتخفيف عبء البنزين عن كلٍّ منهم. يقوم كذلك بتوصيل الطلبات من المأكولات البيتية والمونة التي تعدها “أم سعيد” إلى الزبائن.
أمثال “أم سعيد وأبو سعيد ” كثيرون في لبنان، من رجال وسيدات يلجأون إلى تقنين مصاريفهم اليومية والتوجه إلى اعتماد أساليب حياتية جديدة، تقوم على المشاركة والمقايضة لتأمين مداخيل إضافية.
إن اندفاع المواطنين وإقبالهم على العمل الحر والتجارة الإلكترونية المصغّرة، كالعمل “أون لاين” من داخل المنزل, والتجارة عبر وسائل التواصل الإجتماعي، وإعطاء الدروس الخصوصية، ومتابعة التعليم عن بعد، والأشغال اليدوية، ساهم في تأمين مداخيل إضافية مباشرة للعديد من الأسر.
كما أن الخدمات البديلة التي أمنها الأفراد والمؤسسات الخاصة أو الجمعيات الخيرية، أخذت مكان الدولة في تقديم الخدمات الأساسية، منها أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة، وتجار المياه (ستيرنات المياه)، ومزوّدي الإنترنت في الأحياء، التي لولاهم لَتوقفَت دورة الحياة الاقتصادية اليومية.
يعدّ اقتصاد الظل “حبة مسكن الألم القوية”، لكنها ليست علاجًا، ولا تشفي المرض. على الرغم من أن اقتصاد الظل في لبنان أثبت أن المجتمع قادر على إنقاذ نفسه وإيجاد حلول وآليات دفاعية ذاتية تمكنه من البقاء والاستمرار عند غياب السلطة، وساعد الكثير من العائلات على تجاوز الانهيار وتأمين الاحتياجات اليومية، لكنه في المقابل حرم العاملين فيه من الحماية الإجتماعية الكاملة، حيث أن العاملين في هذا القطاع يُحرمون من حقوقهم القانونية، والضمان الاجتماعي، والأمان الوظيفي.
وتشير التقديرات الإقتصادية إلى أن حجم الإقتصاد غير الرسمي في لبنان يحتل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يطرح أمامنا أسئلة كثيرة. هل تستطيع الأسر اللبنانية من إعالة نفسها دون رواتب رسمية منصفة؟ أم يتحول اقتصاد الظل من مجرد بديلٍ مؤقّتٍ للإقتصاد الرسمي إلى واقع إقتصادي دائم؟



