
حين يصبح التعليم رفاهية: من يحمي طلاب لبنان؟
كتبت هويدا أبو الحسن؛ الأقساط ترتفع، والعائلات تختنق، والمدارس الرسمية عاجزة عن استيعاب الجميع، فيما تحمل مدارس الجنوب آثار القصف والدمار. وبين كل هذه الأزمات، يقف الطالب اللبناني ليدفع ثمنًا لم يختره.
لم يعد افتتاح العام الدراسي مناسبة للفرح، بل مصدر قلق للأهل: قسط، كتب، نقل ولباس. والسؤال الأهم: إذا لم يعد الأهل قادرين على الدفع، إلى أين يذهب أولادهم؟
ليس الجواب ببساطة: إلى المدرسة الرسمية. فهذا القطاع يعاني أصلًا من نقص الإمكانات وضغط النزوح والحرب. مدارس أُغلقت أو تحولت إلى مراكز إيواء، وأخرى تضررت، فيما تواجه المدارس التي ما زالت تعمل أعباء تفوق قدرتها على الاستيعاب.
وفي تموز ٢٠٢٦، أشارت اليونيسف إلى تضرر ٣٤٠ مدرسة، بينها ١٧ مدرسة دُمرت بالكامل، مع تحذير من احتمال بقاء ١٠٠ ألف طالب من دون صفوف. وفي أيلول ٢٠٢٦، أظهر مسح أوسع تضرر ٤٣٦ مرفقًا تعليميًا وتدمير ٣٧ مرفقًا. واختلاف الأرقام يعود إلى اختلاف نطاق التقييمات، لكن الصورة واضحة: التعليم في لبنان أمام أزمة خطيرة.
قد تبرر المدارس الخاصة زيادة الأقساط بارتفاع كلفة التشغيل والرواتب، لكن دخل الأهالي لم يرتفع بالوتيرة نفسها. ومع كل زيادة، يصبح التعليم أصعب، خصوصًا على العائلات التي لديها أكثر من طالب.
الجنوب مجرد رقم في تقارير!
أما الجنوب، فلا يجوز أن يبقى مجرد رقم في تقارير الأضرار. هناك مدارس تضررت بفعل القصف، وأخرى دُمّرت كليًا أو جزئيًا، ما حرم آلاف الطلاب من صفوفهم وأجبر عائلات على النزوح والبحث عن أماكن بديلة لتعليم أبنائها. وفي بعض المناطق، لم تعد المشكلة في قدرة المدرسة على استقبال الطلاب فقط، بل في وجود مدرسة صالحة وآمنة أصلًا. ومع استمرار آثار الدمار، يواجه الطلاب خطر الانقطاع عن التعليم أو تراكم الفاقد التعليمي، فيما تتحمل العائلات أعباء إضافية من نقل وكتب ومستلزمات في ظروف اقتصادية صعبة. لذلك، فإن إعادة التعليم إلى الجنوب تتطلب أكثر من إعلان بدء العام الدراسي: تحتاج إلى إعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتأمين بدائل للمدارس الخارجة عن الخدمة، وضمان وصول الطلاب إلى التعليم دون أن تتحول الحرب إلى سبب دائم لخروجهم من المدرسة.
الأهل ليسوا خزينة مفتوحة، والدولة لا تستطيع الوقوف على الحياد. المطلوب خطة واضحة لدعم المدارس الرسمية، وإعادة تأهيل المدارس المتضررة، ومساعدة العائلات غير القادرة، واستيعاب الطلاب الذين قد يضطرون إلى ترك التعليم الخاص.
فالتعليم ليس امتيازًا لمن يستطيع الدفع. وعندما يصبح القسط سببًا لخروج طالب من المدرسة، فإننا لا نخسر سنة دراسية فقط، بل نخاطر بجيل كامل.
لذلك لا يكفي أن نسأل: كم أصبح قسط المدرسة؟
السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث للطالب الذي لم تعد عائلته قادرة على دفعه؟
إذا كانت المدارس الخاصة تفوق قدرة الأهالي، والمدارس الرسمية لا تستوعب الجميع، ومدارس الجنوب تضررت ودُمرت، فأين يذهب طلاب لبنان؟ ومن يضمن أن يبقى التعليم حقًا لكل طالب، لا امتيازًا لمن يستطيع دفع ثمنه؟



