
لبنان بين جحيم النزوح وسقوط الوطن
خاص بِكَفّيكم: من الحرب إلى الانفجار يتكرر النزوح ويستمر الوطن في التآكل بصمت دائم
كتبت جويس يزبك – تُترك الشعوب عاريةً أمام نيرانٍ لا تفرّق بين بيتٍ وذاكرة… في زمنٍ تتغنّى فيه الشعارات بالديمقراطية. يُقال إنّ الحروب تُخاض دفاعًا عن السيادة، لكنّ السيادة الحقيقية تسقط حين يُهجَّر الإنسان من أرضه. تُرفَع رايات الحرية، بينما تُدفن تحتها قصص الذين فقدوا الأمان، وكأنّ صوتهم لا يُدرج في صناديق الاقتراع. الديمقراطية التي لا تحمي الإنسان، تتحوّل إلى خطابٍ أجوف، يبرّر الخراب بدل أن يمنعه. وحين يصبح النزوح قدرًا جماعيًا، لا يعود السؤال من المخطئ… بل من الذي بقي إنسانًا. فأيّ ديمقراطية هذه التي تُشرّع الألم، وتترك الإنسان بلا بيتٍ… ثم تطلب منه أن يؤمن بها؟
ينطلقُ الحديثُ من الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان 1975، لتؤسس لمرحلة طويلة من النزوح الداخلي.
تتنقّل العائلات بين 1975 و1976 هربًا من خطوط التماس، ثم يتجدّد النزيف بين 1983 و1985 مع حروب الجبل، حيث لا يعود الانتقال مجرّد بحث عن الأمان، بل اصطفافًا قسريًا تفرضه الانقسامات الطائفية والحزبية. يتحوّل البيت إلى موقعٍ مهدّد، والهوية إلى بطاقة عبور أو خطر، فيغدو النزوح انعكاسًا مباشرًا لانقسامٍ يمزّق الجغرافيا والناس معًا.
يوسّعُ الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982 رقعة التهجير، دافعًا بآلاف الجنوبيين وسكان بيروت إلى النزوح نحو الداخل. تتكرّر موجات النزوح طوال سنوات الاحتلال حتى عام 2000، حيث تبقى القرى الحدودية تحت ضغط دائم، فيما تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التحزبات السياسية. لا يكون المشهد انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل اقتلاعًا يتأثّر أيضًا بواقع الانقسام، حيث يُحدَّد الأمان أحيانًا وفق الانتماء، لا وفق الحق الطبيعي في البقاء.
تُكرّسُ حرب تموز (12 تموز – 14 آب 2006) واحدة من أوسع موجات النزوح، إذ يتجاوز عدد النازحين المليون خلال الاسبوع الاول. يتدفّق سكان الجنوب والضاحية إلى بيروت والجبل والشمال، وتتحوّل المدارس ودور العبادة إلى مراكز إيواء. وفي خضمّ هذا المشهد، يبرز تضامن شعبي واسع، حيث يستقبل اللبنانيون بعضهم البعض، لكنّه يبقى تضامنًا هشًّا، محاطًا بحساسيات طائفية وحزبية تظهر في التفاصيل، وتذكّر بأنّ الوحدة في لبنان غالبًا ما تولد تحت الضغط.
يُعيدُ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 تعريف النزوح خارج سياق الحرب المباشرة، بعدما تُدمَّر أحياء كاملة وينزح آلاف السكان خلال ساعات. لا يظهر عدو واضح، بل تنكشف هشاشة الداخل، ويطفو على السطح غضبٌ يتجاوز الكارثة ليطال بنية النظام نفسه، حيث تتقاطع المسؤوليات مع الانقسامات السياسية. يتكرّر مشهد الاستقبال الأهلي، لكنّه يأتي مثقلًا بانعدام الثقة، وكأنّ التضامن الشعبي يحاول تعويض عجز الدولة المنقسمة.
في حضرة النزوح… يسقط معنى الوطن
يُظهِرُ هذا المسار أنّ النزوح في لبنان لم يعد حدثًا استثنائيًا. بل نمطًا متجذّرًا يتكرّر مع كل أزمة، ويتغذّى من الانقسام الطائفي والحزبي بقدر ما يتغذّى من الحروب. يتقدّم التضامن أحيانًا ليخفّف من حدّة الانكسار، لكنه يصطدم بواقعٍ يُعيد إنتاج نفسه، حيث يُهدَّد الأمان لا بالقصف فقط. بل أيضًا بخطابات الفرز والانقسام. وبين هذا وذاك يبقى اللبناني معلّقًا بين بيتٍ يفقده وملجأٍ مؤقت… في معادلةٍ تُبقي الاستقرار مؤجّلًا.
تفرضُ الحرب اليوم واقعًا أكثر قسوة، حيث يُجبَر اللبنانيون مجددًا على ترك بيوتهم تحت وطأة القصف والخوف والانهيار، في ظل انقسامٍ داخلي يزيد المشهد تعقيدًا. لا يعود النزوح مرتبطًا بحدثٍ محدّد، بل يصبح استباقًا للمجهول، وهروبًا من خطرٍ دائم يتداخل فيه الأمني بالسياسي. تتكرّر المشاهد ذاتها، حقائب على عجل… أبواب تُغلَق بلا وداع… وقلوب تترك خلفها كل شيء، لكنّ الانقسام يجعل حتى الملجأ موضع تساؤل. وهنا، لا يصبح السؤال فقط أين يذهب الناس. بل يصبح إلى أيّ وطنٍ يعودون إذا بقي الوطن منقسمًا على نفسه؟
يختصرُ مسار النزوح في لبنان تاريخًا طويلًا من الحروب والأزمات التي حوّلت البيت من ملاذٍ إلى نقطة خطر. يتكرّر المشهد من الحرب الأهلية اللبنانية إلى حرب تموز وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت، حيث يبقى الإنسان الحلقة الأضعف في معادلات القوة. يتداخل النزوح مع الانقسام الطائفي والحزبي، فيُصبح الأمان نسبيًا، واللجوء أحيانًا مشروطًا بالهوية والانتماء. يظهر التضامن الشعبي في لحظات مفصلية، فيفتح اللبنانيون بيوتهم لبعضهم، لكنّه يبقى هشًّا أمام واقع الانقسام المتجذّر. يتحوّل النزوح مع الوقت من حالة طارئة إلى نمط حياة، حيث يعتاد الناس الرحيل أكثر مما يعتادون الاستقرار. فهل يبقى الوطن وطنًا حين يُجبر أبناؤه على مغادرته مرارًا؟ أم أنّ النزوح المتكرّر يسرق منه معناه؟



