
كتبت نيرمين ظاظا: صمت الشاهد الدولي: هل استسلمت اليونيفيل لاستراتيجية الإخلاء بالقوة؟
سد القوانين الدولية لم يستطع إيقاف مجرى نهر الاعتداءات الإسرائيلية، فوسّعت هذه الأخيرة نطاق دمويتها لتجرف المدنيين والعسكريين والمسعفين والإعلاميين وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل)، التي فقدت كل معاني السلام.
فخلال الـ ٤٨ ساعة الماضية، تحوّل الجنوب إلى مسرح جرائم حرب مستباحة وشاملة.
وسط هذا الانفلات، لم تسلم قوات اليونيفيل باعتبارها الشاهد الدولي، فقد أعلنت قوات حفظ السلام مقتل ثلاثة جنود وإصابة ثلاثة آخرين من الوحدة الإندونيسية في عمليّتين يوم الأحد والاثنين.
لكن يبقى السؤال الجدلي: كيف يمكن لقوة تتألف من 7500 جندي، يحملون أسلحتهم ويتواجدون في جنوب لبنان بتفويضٍ دولي، أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام استهداف جنودهم ومركباتهم ومقراتهم؟
يكمن السر في عدم التدخل، حيث أنها مكبلة بقيود قانونية تُعرف بِـ “الفصل السادس”، إذ إن هذه القوات مفوضة بأن تكون ‘شاهد وموثق’ وليس ‘محارب مدافع’.
الفخ القانوني “التفويض المقيّد”
تعمل قوات حفظ السلام ضمن قوانين وفصول محددة في ميثاق الأمم المتحدة.
وينصّ الفصل السادس على حفظ السلام: وجود اليونيفيل كَـ ‘حكم أو عازل’، سلاحهم للدفاع عن النفس إذا تعرضوا لهجوم مباشر، وهم يكتفون بـ “المراقبة والتوثيق”. أما الفصل السابع فرض السلام: يُستخدم عندما يقرر مجلس الأمن أن هناك تهديدًا خطيرًا للسلم، بحيث تُمنح القوات الدولية الحق في استخدام القوة العسكرية.
هنا تعمل اليونيفيل ضمن الفصل السادس، ما يعني أنها قوة حفظ سلام وليست قوة فرض سلام.
لماذا لا يُطبق في لبنان؟ لأن تحويل مهمة اليونيفيل إلى الفصل السابع يتطلب إجماع للدول الأعضاء الكبرى في مجلس الأمن، كما أنه أمر ترفضه قوى إقليمية ودولية، فقد يُخلّ بتوازن القوى الكبرى (الدول الخمس دائمة العضوية)، لأن دخول الأمم المتحدة كطرف محارب ضد كل من يخرق القرار، قد يفجر حربًا شاملة بين هذه الدول. كما أن الرد العسكري قد يُفقد اليونيفيل صفة ‘الحيادية’، وبالتالي انتهاء دورها كجهة وسيطة.
لماذا تُستهدف اليونيفيل الآن؟ تعتمد إسرائيل “استراتيجية التعمية”
في الحقيقة، فهي لا تريد خوض معركة مع اليونيفيل، بل تريد “إخراجها من الخدمة” كشاهد، عبر الترهيب العسكري المباشر، فتقارير اليونيفيل تتحدث عن تدمير أكثر من 25 نظام مراقبة وكاميرات وأبراج اتصالات منذ بداية آذار. وبالتالي، يكون الهدف تحويل الجنوب إلى “منطقة عمياء” عن عملياتها لإبعادها عن التقارير المرفوعة لمجلس الأمن.
أما عن الجهة اللبنانية، وتحديدًا ما تسميه اليونيفيل “جهات مسلحة غير تابعة للدولة أو جهات فاعلة غير مصرح لها”، فهي تعتبر أن هذه الرقابة التي تمارسها قوات اليونيفيل تُعدُّ “قيدًا” على تحركاتها العسكرية، ما يدفعها نحو تقييدها ميدانيًا، عبر منع حرية الحركة في بعض القرى لضمان سرية تحركاتها ومنصاتها.
الأحداث الميدانية: تصعيدات الحربين
شهد عام 2024 تصعيدًا كبيرًا في استهداف اليونيفيل جنوبي لبنان، حيث تعرضت إلى سبعة استهدافات مباشرة لمواقع وكاميرات وأبراج مراقبة تابعة للبعثة، كما سجلت أكثر من ٣٥ جريحًا في صفوفها.
أما في حرب آذار 2026، فقد شهدت تصعيدًا خطيرًا، حيث خسرت اليونيفيل ثلاثة جنودٍ إضافةً لعدة أحداث أبرزها:
في السادس من آذار، تعرضت كتيبتان لعدة قذائف، مما أسفر عن إصابة ثلاثة جنود، وقد أقرت اسرائيل بإطلاق النيران عن طريق الخطأ.
في ١٥ و١٦ آذار، تعرضت مواقع ودوريات تابعة لليونيفيل لعدة استهدافات مباشرة بالأسلحة الرشاشة والقذائف.
في ٢٣ آذار، أصيب مبنى داخل مقر اليونيفيل العام بمقذوف ناتج عن القصف المتبادل.
في ٢٩ آذار، استُهدفت قافلة تابعة لليونيفيل، ما أسفر عن مقتل جندي وإصابة آخر من الكتيبة الإندونيسية.
في ٣٠ آذار، استُهدفت آلية لليونيفيل بشكل مباشر، ما أدى إلى مقتل جنديين، وأصيب اثنان آخران بجروح.
مواقف دولية – رسمية “تفضح المجرم”
وصفت اليونيفيل الانفجارات بأنها مجهولة المصدر، وأدانت استهداف مواقعها، مؤكدة بقاءها رغم الضغوط.
كما وصفت الخارجيتان الفرنسية والإيطالية الاعتداءات على قوات اليونيفيل بأنها غير مقبولة، محذّرة من تداعيات خطيرة على علاقتها مع الطرف المعتدي.
وكان للبنان موقف من الاعتداءات الإسرائيلية، فقد وصفتها الخارجية اللبنانية بـ “جرائم حرب”، محمّلة إسرائيل المسؤولية الكاملة عن هذه الأحداث، معتبرةً أن هذه الاستهدافات هي محاولة لتهجير الشهود الدوليين.
أما إسرائيل فلم تصدر إدانة، بل أعربت عن “الأسف” لسقوط الضحايا، مدّعيةً أن حزب الله يستخدم محيط مراكز اليونيفيل لإطلاق الصواريخ، وقد جدّدت دعوتها لليونيفيل بالتحرك شمالًا لضمان سلامتها.
ختامًا، لقد كشفت الساعات الماضية عن معادلة خطيرة: إما أن تكون اليونيفيل شاهدًا أخرس يقف مكتوف اليدين أمام استهداف قواته واستهداف المدنيين والمسعفين والإعلاميين، أو أن تتحول إلى هدف مباشر تحت مسميات ‘الإخلاء الضروري’ أو ‘الدروع البشرية’، ما يضع المجتمع الدولي أمام مرآة عجزه. فهو مُطالب إما باستعادة هيبة القرار 1701 بضمانات حقيقية، وإما نعي الشرعية الدولية.
اليوم، لم يعد التساؤل إن كانت قوات اليونيفيل ستبقى في مواقعها، بل ما هي جدوى بقاء القوات في ظل التعتيم التقني وفقدان الحصانة؟



