سلام: “يجب الابتعاد عن التهويل بحرب أهلية ونريد لبنان الواحد الحاضن لجميع أبنائه”

سلام: “يجب الابتعاد عن التهويل بحرب أهلية ونريد لبنان الواحد الحاضن لجميع أبنائه”
كلمة الرئيس نواف سلام عشية ذكرى اندلاع الحرب الأهلية:
بعضنا أخطأ حين حمّل لبنان أكثر مما يحتمل، فغلّب تضامنه مع قضايا عادلة على حساب مقتضيات حماية سيادة البلاد وامنها.
وبعضنا الآخر أخطأ أيضًا حين اعتقد انه يمكن تحويل ضعف لبنان الى قوّة. وأخطأ كل من لجأ إلى دعم خارجي متوهماً ان لا هدف لهذا الخارج سوى دعمه، فوجد نفسه اسير لعبة أكبر منه.
أتوجّه إليكم اليوم في منعطفٍ مأساوي آخر من تاريخنا، حيث يثقل القلوب شعورٌ جارح بأن الصوت قد لا يصل، وأن المعاناة لا تجد دائمًا من يُنصفها.
أعرف، وأدرك تمامًا، آلام من فقدوا أحبّاءهم، بيوتهم، قراهم، وحقول زيتونهم، ومن يجدون أنفسهم اليوم يتنقّلون من مأوى إلى آخر.
أفهم غضبكم، وحاجتكم لأن يُسمَع صوتكم، حتى عند أبواب السراي.
وأفهم أيضًا قلق وغضب أولئك الذين لم يعودوا يحتملون مصيرًا لا يختارونه بأنفسهم، مصيرًا تصنعه إرادات غيرهم، ولو بالحرب.
وأعلم أنّ ذاكرة الرابع من آب لم تندمل، خاصة عند اهلي في بيروت، وأنّها استُحضرت بكل قسوتها مع فاجعة الثامن من نيسان، وضحاياها المدنيين العزّل.
أعلم أنّكم سئمتم أن يُسلب منكم حقّكم في تقرير مصيركم.
أشعر بوجع الأمّ التي فقدت ابنها المقاتل على الجبهة، كما أشعر بوجع الأمّ التي فقدت طفلًا لم يختر هذه الحرب، ولم يطلب سوى أن يعيش.
أعلم أنّكم جميعًا تتألّمون… أكثر مما يُحتمل، ومنذ زمنٍ طويل.
وأدرك أيضًا أنّ ما كان مصدر غنى لهذا البلد—تنوعه—قد يتحوّل في بعض الاوقات إلى عامل انقسام. تحملون في وجدانكم ذاكرةً جامعة، إلى جانب ذاكرات وتجارب متباينة.
ومسؤوليتي أن أعزّز ما يجمع بين هذه الذاكرات، وأن أهدّئ توتّراتها، وأن أقرّب بينها قدر الإمكان.
وأهلي في الجنوب يعرفون أكثر من غيرهم كلفة الحروب والانقسامات والرهانات الخاطئة. فقد دفعوا على مدى عقود أثمان الاحتلال والاعتداءات والتهجير، كما دفعوا أيضًا أثمان تعدّد مراكز القرار وغياب الدولة أو ضعف حضورها.
ومن هنا، فإن من واجبنا الوطني اليوم أن نؤكد أن الجنوب لن يُترك مرة جديدة وحيدًا في مواجهة الخوف والدمار والقلق على المصير. حمايته، كما حماية كل لبنان، لا تكون إلا بدولة واحدة قوية وعادلة.
وسنستمر في العمل من أجل وقف هذه الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من كامل أراضينا واسترجاع كل اسرانا ومن أجل إعادة اعمار قرانا وبلداتنا المدمرة وعودة أهلنا النازحين الآمنة إليها، وتمكينهم من العيش فيها بكرامة وأمان.
ولهذا، فإننا مستمرون بجهودنا لوقف الحرب، وفي مقدّمتها المبادرة التي قدّمها فخامة الرئيس للتفاوض لوقف الحرب، وتمكين مؤسسات الدولة الشرعية من القيام بدورها الكامل في حماية لبنان واللبنانيين جميعًا.
لذلك فلنعود جميعاً،
الى ما ارتضيناه ميثاقاً فيما بيننا لا لوقف الحرب الاهلية فحسب، بل لبناء الدولة المنشودة، الدولة العادلة القوية، الدولة الواحدة الحاضنة لجميع أبنائها، والمقصود هنا هو اتفاق الطائف. فلنطبق بنوده كاملة، ولنصوّب ما طبق منه خلافاً لنصه او روحه، ولنعمل على سدّ ما بيّنت فيه الممارسة من ثغرات، وعلى تطويره كلما برزت حاجة الى ذلك.
ولما كان اتفاق الطائف قال ببسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، وهو ما لم نفعله منذ إقرار هذا الاتفاق، ففي تنفيذ ذلك ما يوفر الامن والأمان لكل المواطنين ويسمح ببسط سلطة القانون في كل ارجاء البلاد وعلى الجميع بالتساوي. فلا يكون أحد فوق القانون او خارجاً عنه.
كرامة الوطن هي كرامتكم جميعًا، دون تمييز. وإذا كان الحفاظ عليها يقتضي اليوم تواضعًا ومسؤولية، فأنا ملتزم بذلك… وأدعوكم جميعًا إلى التمسّك بما يجمعنا، حمايةً لوطننا ومستقبل أبنائنا.
فلنواجه معاً الأخطار المحدقة بنا بالعقل والوحدة والمسؤولية الوطنية.
وحدتنا اليوم ليست شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة وطنية.
كلّنا للوطن،
والوطن لنا جميعاً.



