نساء في زمن الحرب: حارسات الحياة

نساء في زمن الحرب: حارسات الحياة
الحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تسقط أو المدن التي تُدمَّر. خلف هذه الأرقام حكايات بشر يحاولون حماية ما تبقّى من معنى الحياة. وفي قلب تلك الحكايات تقف الأمهات والزوجات والبنات، يحملن عبئًا ثقيلًا من القلق والمسؤولية، ويقاومن بطريقتهن الخاصة كي لا ينهار كل شيء.
الحرب تغيّر إيقاع الأيام. يصبح الليل أطول، والانتظار أثقل، والخوف ضيفًا دائمًا في البيوت. ومع ذلك، تستيقظ أمٌّ كل صباح لتتابع ما بدأته بالأمس: محاولة الحفاظ على توازن العائلة وسط عالم مضطرب. تُخفي ارتجاف صوتها كي لا يرتجف قلب طفلها، وتبتسم أحيانًا فقط لتقول لمن حولها إن الأمور ما زالت تحت السيطرة.
لا تحمل هذه القوة سلاحًا، لكنها تواجه أصعب المعارك: معركة الاستمرار. فالحفاظ على تفاصيل الحياة اليومية في زمن القلق ليس أمرًا بسيطًا. إعداد الطعام، ترتيب البيت، احتضان طفل خائف، كلها أفعال صغيرة في ظاهرها، لكنها في زمن الحرب تصبح شكلًا من أشكال المقاومة الصامتة.
لبنان يعرف هذه الصورة جيدًا. سنوات طويلة من الأزمات والحروب جعلت البيوت تعيش دائمًا بين الأمل والقلق. اللبنانية، التي خبرت تقلّبات الزمن، تعلّمت كيف تحمي عائلتها بالصبر قبل أي شيء آخر. حين يضيق الأفق، تبقى هي الحارسة الأولى لتماسك البيت، تحفظ دفء العائلة حتى عندما يصبح الخارج أكثر قسوة.
كم من أمٍّ لبنانية وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة منزلها تحت الخوف، حاملة أطفالها وذكريات بيتٍ تركته خلفها. لحظة الوقوف على عتبة بيت يُغلق بابه للمرة الأخيرة ليست تفصيلًا عابرًا؛ إنها لحظة تختصر قسوة الحرب كلها. ومع ذلك، يستمر القلب في البحث عن بداية جديدة، لأن الحياة لا تتوقف عند جدارٍ تهدّم أو بابٍ أُغلق.
ما لا تذكره نشرات الأخبار كثيرًا هو أن البيوت التي بقيت واقفة، بقيت بفضل هذا الصبر الطويل. خلف كل عائلة صمدت قلبٌ حمل الخوف بصمت، وكتفٌ تحمّل أكثر مما يحتمل.
وحين تُكتب حكايات الحروب في كتب التاريخ، غالبًا ما تُذكر المعارك وأسماء القادة. لكن الحقيقة الأعمق تبقى مخبأة في أماكن أكثر هدوءًا: في البيوت التي لم تسمح لمن فيها أن ينكسروا.
هناك، في تلك البيوت، كانت قلوبٌ تقف بين الخوف والحياة… وتختار الحياة.
ففي زمن الحرب، قد تبدو البطولات صاخبة في ساحات القتال، لكن البطولة الأصدق تبقى تلك التي تحرس الحياة بصمت، وتُبقي الأمل حيًا حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
بقلم :هويدا أبو الحسن



