كلمة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام خلال إطلاق النداء الإنساني العاجل للبنان

كلمة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام خلال إطلاق النداء الإنساني العاجل للبنان
“السيد الأمين العام،
أصحاب السعادة السفراء،
السيدات والسادة ممثلي المجتمع الدولي،
السيد الأمين العام،
أود أن أعرب لكم عن خالص تقديري لوقوفكم إلى جانب لبنان في هذا الظرف الدقيق.
إن وجودكم بيننا اليوم في بيروت يبعث برسالة تضامن قوية وواضحة في لحظة يواجه فيها بلدي أحد أخطر فصول تاريخه الحديث.
خلال زيارتكم الأخيرة إلى لبنان في كانون الثاني الماضي، تحدثتم عن الأمل، وقلتم إن “نافذة قد فُتحت تمهّد الطريق لعصر جديد من الاستقرار المؤسسي.”
غير أن هذه النافذة التي بشّرت بالأمل باتت اليوم مهددة بالإغلاق.
وكما أشرتم قبل أيام قليلة، يجد الشعب اللبناني نفسه مرة أخرى في مرمى النيران.
والحقيقة انه صراع لم يختره. صراع لم يرده.
في الأسابيع القليلة الماضية، ومع اشتداد العمليّات العدائيّة، أجبر أكثر من تسعمائة ألف انسان، أي ما يقارب واحداً من كل خمسة مقيمين، على النّزوح من بيوتهم والبحث عن ملجأ يأويهم على امتداد الأراضي اللبنانيّة .
في جنوب لبنان، تُفرَغ قرًى وبلدات كاملة من سكّانها بين ليلة وضحاها.
العائلات تهرب من منازلها حاملةً ما تيسّر .
المدارس تحولت إلى مراكز إيواء.
المستشفيات تعمل فوق طاقتها مُثقلة بالمصابين والمرضى .
والخدمات الأساسية تتعرّض لضغطٍ هائل.
قُتل المئات، وأُصيب الآلاف.
وخلف كلّ رَقَم قصّة إنسانيّة: طفل، أو أب، أو أمّ، أو عائلة انقلبت حياتها فجأة رأساً على عقب ووجدت نفسها في مواجهة ظروف قاسية لا يمكن وصفها.
مجتمعنا أنهكته سنوات طويلة من الأزمات والصراعات المتواصلة يجد نفسه اليوم على حافة ما يفوق قدرته على الاحتمال.
السيدات والسادة،
إن الحروب الحديثة اخذت تمحو القواعد التي كانت تضبط النزاعات في الماضي.
وعندما تنهار هذه الحدود ما من مكان امن .
التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وهو حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني، بات مهددا وأصبح أقلّ وضوحاً.
دعوني أن أوكّد بوضوح لا لبس فيه:
لبنان لم يختر هذه الحرب.
العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها والنوم في الشوارع، أو في سياراتها، أو في مراكز إيواء مكتظة، لم تختر هذه الحرب.
الأطفال الذين يستيقظون كل صباح على مشاعر الخوف من غارة مفاجئة قد تطال جاراً أو عابر سبيل أو مدرسة، لم يختاروا هذه الحرب.
ولا يجوز أن يتحملوا عبء مُعاناة فُرضت عليهم.
لا مبرر لاحتجاز شعب بأكمله رهينة.
شعب لبنان ليس ساحة معركة.
ومستقبل لبنان ليس أضراراً جانبية.
إن وقفاً فورياً لإطلاق النار ليس خياراً سياسياً فحسب ، بل ضرورة إنسانية ملحّة.
القتال يجب أن يتوقف.
وعلينا حماية المدنيين،
واحترام القانون الدولي الإنساني احتراماً كاملا
أصحاب السعادة،
إن حكومتي مصممة على استعادة سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وعلى حصر السلاح بيد الدولة وحدها،
وقد اتخذنا بالفعل خطوات حاسمة في هذا الاتجاه لضمان أن تكون الدولة وحدها صاحبة الحق الحصري في حمل السلاح.
* فقد قام الجيش اللبناني بالفعل بتفكيك أكثر من خمسمائة موقع عسكري ومستودع أسلحة جنوب نهر الليطاني، وذلك في إطار خطّة شاملة تهدف إلى حصر السلاح تحت سلطة الدولة وحدها.
* كذلك اتخذت الحكومة قراراً واضحاً بحظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله ولجميع الجهات غير الحكومية، لبنانيّة كانت أم غير اللبنانية، مع دعوة جميع الأطراف إلى تسليم أسلحتها إلى الدولة، وحصر العمل السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية.
إن هذه الإجراءات ليست خطوات رمزية، بل خطوات عملية تهدف إلى بناء إطار أمني وطني موحّد ومستقر.
* وفي الوقت ذاته، عززنا التدابير الأمنية والرقابية على الحدود، وفي مطار بيروت الدولي، وعلى الطرق الحيوية، حمايةً لمواطنينا ولشركائنا الدوليين.
* وقد اتخذت الأجهزة الأمنية ايضا إجراءات حازمة بحق الذين اعتدوا على قوات اليونيفيل، تأكيداً على التزامنا الراسخ بحماية شركائنا الدوليين الذين يدعمون استقرار لبنان.
وعلى الصعيد الدبلوماسي،
جددتُ التأكيد على استعداد لبنان استئناف المفاوضات مع إسرائيل تحت رعاية دولية وبمشاركة مدنية.
السيد الأمين العام،
السيدات والسادة،
مع استمرار هذه الحرب، يقف لبنان اليوم على حافة هاوية إنسانية.
ومن دون تعبئة سريعة وفعّالة للدعم الدولي، فإن التداعيات الإنسانية مرشحة للتفاقم بشكل كبير في الأيام والأسابيع المقبلة.
ومن هنا، فإنني أدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف إلى جانب لبنان؛ ليس فقط بكلمات التضامن، على أهميتها، بل من خلال تحرك سياسي وإنساني حاسم.
نعم، نحن بحاجة عاجلة إلى مساعدات إنسانية منسقة:
من إمدادات طبية، وغذاء، ومأوى، ووقود لضمان استمرار عمل البنى التحتية الحيوية.
لكننا نحتاج أيضاً إلى جهد دبلوماسي متواصل لوقف التصعيد،
وإلى دعم يعيد الاستقرار إلى لبنان، ويعيد إحياء الأمل بإمكانية تحقيق سلام عادل ودائم في منطقتنا.
السيد الأمين العام،
السيدات والسادة،
بالنسبة للبنان، هذه لحظة بقاء.
وبالنسبة للمجتمع الدولي، هذه لحظة مسؤولية.
ولنتذكر دائماً أن التاريخ لن يحكم علينا بما نقوله من كلمات، بل بما نزرعه من أمل.
أشكركم مجدداً لوقوفكم إلى جانب لبنان اليوم.”



