خاصمقالات

إبهامان يربكان واشنطن داخل مشهد إعتقال مادورو

خاص بِكَفّيكم: إبهامان في قلب العاصفة: قراءة صحفية بلاغية في صورة مادورو وكلماتٍ قيلت تحت سقف القوة

خاص بِكَفّيكم، كتب فاروق عدنان: إبهامان يربكان واشنطن داخل مشهد إعتقال مادورو : في الصورة، لا شيء يبدو عابراً. رجلٌ يجلس على كرسي معدني داخل مساحة صناعية باردة، تحيط به وجوه مطموسة وملابس رسمية لا تحمل دفئاً ولا أسماء. المكان يوحي بالقوة الصلبة، بالإجراء، بالقرار الذي نُفِّذ وانتهى. لكن وسط هذا المشهد، ترتفع إبهامان نحو الكاميرا. إيماءة صغيرة، تكاد تكون يومية، لكنها هنا تتحول إلى خطاب كامل.
هكذا ظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في آخر صورة متداولة له عقب ما قُدِّم على أنه عملية اعتقال داخل الأراضي الفنزويلية، عملية تقول كاراكاس إنها جرت خارج أي إطار قانوني أو دولي، وبعيداً عن أي احترام لمبدأ السيادة أو المواثيق التي طالما ادّعت واشنطن حمايتها.

الصورة: حين تتكلم الأجساد أكثر من البيانات

في لغة الجسد، الإبهام المرفوع ليس مجرد علامة رضا. هو رسالة تطمين، محاولة واعية لكسر صورة الهزيمة. الجسد هنا في وضع جلوس، وهو وضع يُقرأ غالباً كفقدان سيطرة مادية، لكن اليدين تعوّضان هذا النقص برمز عالمي للقوة المعنوية: أنا بخير.
الملابس غير الرسمية، البعيدة عن البروتوكول الرئاسي، لا تبدو مصادفة. إنها نزعٌ مقصود للهيبة الرسمية لصالح صورة الإنسان العادي، القادر على الصمود حتى وهو محاط بآليات القوة. مشهد يقول للداخل قبل الخارج: “لم ينكسر الرجل… تغيّر المشهد فقط”.

الكلمات: تحية عادية في لحظة غير عادية

وقبل الصورة، كان هناك فيديو. مادورو يقول للصحافيين: “مساء الخير”، ويضيف بابتسامة مقتضبة: Happy New Year.
عبارتان بسيطتان، لكن في علم النفس السياسي، البساطة في غير موضعها تتحول إلى أداة. التحية هنا ليست مجاملة، بل تطبيع للحظة قسرية. كأن المتحدث يرفض الاعتراف بثقل الحدث، فيسحبه من خانة الصدمة إلى خانة اليوميات.
أما التهنئة بالعام الجديد، فهي استدعاء للزمن، للمستقبل، لما بعد اللحظة. رسالة مفادها أن ما جرى ليس نهاية مسار، بل محطة ضمن صراع أطول. بهذا المعنى، تتحول الكلمات إلى فعل مقاومة ناعم، لا يواجه القوة بالقوة، بل بالسرد.

الفعل الأميركي: القوة خارج القانون

سياسياً، تتجاوز المسألة صورة أو فيديو. الحديث عن تنفيذ عملية اعتقال داخل دولة ذات سيادة يضع الولايات المتحدة أمام سؤال قديم يتجدد: هل ما زالت المواثيق الدولية تُلزم الأقوياء؟
فالقانون الدولي، من ميثاق الأمم المتحدة إلى مبادئ عدم التدخل، يفترض أن السيادة ليست تفصيلاً، بل قاعدة. وحين تُنفَّذ عمليات من هذا النوع خارج الأطر القضائية والديبلوماسية، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى فنزويلا وحدها، بل إلى النظام الدولي بأكمله: القوة تسبق القانون، حين تقتضي المصلحة.

معركة السرد: من يملك الصورة يملك الرواية

بين الإبهامين المرفوعين، والتحية العابرة، والتهنئة المقتضبة، يدرك مادورو -أو من يدير صورته- أن المعركة الحقيقية ليست في الغرفة التي التُقطت فيها الصورة، بل في الفضاء العام.
الولايات المتحدة نفّذت فعلاً قسرياً، لكن مادورو حاول أن يستعيد زمام الرواية. أن يقول لجمهوره إن الاعتقال ليس نهاية، وإن الرجل ما زال قادراً على مخاطبة الكاميرا، بثبات، وبهدوء، وبنبرة من يرفض لعب دور الضحية.

اذا ليست الصورة دليلاً، ولا الكلمات حكماً نهائياً. لكنها، في الصحافة كما في السياسة، إشارات. إشارات إلى عالم باتت فيه المواثيق قابلة للتجاوز، وتحوّلت فيه لغة الجسد إلى بيان، والتحية العابرة إلى موقف سياسي.
وفي زمن كهذا، قد لا يكون أخطر ما في المشهد هو الاعتقال نفسه، بل اعتياده.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com