ما هو عيد النوروز؟
حكايات وأساطير... قوميات وأديان مختلفة تحتفل بالعيد الأشهر لدى الأكراد، ماهو عيد النوروز؟ وما هو تاريخه؟!

ما هو عيد النوروز؟
حكايات وأساطير… قوميات وأديان مختلفة تحتفل بالعيد الأشهر لدى الأكراد، ماهو عيد النوروز؟ وما هو تاريخه؟!
يُعدّ نوروز، الذي يعني “اليوم الجديد” في اللغتين الفارسية والكردية، من أقدم وأعرق الأعياد التي عرفتها البشرية، إذ يجمع بين البعد الحضاري والتاريخي والثقافي، ويُحتفل به عبر رقعة جغرافية واسعة تمتد من آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا. ويشارك في إحيائه ملايين البشر من شعوب متعددة، مثل الفرس والآذريين والبشتون والتركمان والطاجيك والأوزبك والكازاخ، إضافة إلى سكان مناطق كجنوب القوقاز والقرم والبلقان وكشمير وشمال غرب الصين، فضلًا عن بعض مناطق الهند. كما أقرّته دول عدة عطلة رسمية، من بينها إيران والعراق وقرغيزستان وأذربيجان، ما يعكس مكانته الثقافية العميقة.
وتعود جذور هذا العيد إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، حيث ارتبط في بداياته بطقوس دينية وفلكية، أبرزها الاحتفال بيوم الاعتدال الربيعي الذي يرمز إلى تجدد الحياة وانتصار النور على الظلام. ومع مرور الزمن، تطوّر نوروز ليحمل معاني اجتماعية ووطنية، خصوصًا لدى الأكراد الذين منحوه في العصر الحديث بُعدًا قوميًّا واضحًا، وجعلوا منه مناسبة للتعبير عن هويتهم الثقافية والوطنية، وتجديد مطالبهم بالحقوق السياسية، لا سيما في تركيا وإيران والعراق وسوريا.
ويُعتبر نوروز العيد الأبرز لدى الأكراد في إقليم كردستان العراق وفي مختلف مناطق وجودهم حول العالم، إذ يمثل لديهم رأس السنة وبداية دورة زمنية جديدة، ويُقابل لديهم من حيث الأهمية عيدي الفطر والأضحى، رغم اختلاف طابعه، كونه يحمل طابعًا قوميًّا وثقافيًّا أكثر من كونه دينيًّا. وتبدأ الاستعدادات له قبل موعده في 21 آذار بأيام، حيث تُزيَّن المدن وتُحضَّر الملابس التقليدية، ويُقبل الناس على شراء أزياء تراثية ملوّنة تُفصَّل خصيصًا لهذه المناسبة.
وخلال الاحتفالات، تتحوّل الساحات والجبال والقرى إلى لوحات نابضة بالحياة، حيث يحتشد الناس في تجمعات كبيرة على أنغام الموسيقى الفلكلورية الكردية، ويؤدّون الدبكات والرقصات الشعبية في أجواء مليئة بالفرح. كما تُشعل النيران في المرتفعات، في تقليد رمزي عريق يعكس معاني الحرية والانتصار، ويُعدّ من أبرز طقوس هذا العيد.
أما من الناحية اللغوية، فكلمة “نوروز” مركبة من “نوى” بمعنى الجديد، و”روز” بمعنى اليوم، أي “اليوم الجديد”، في إشارة واضحة إلى بداية مرحلة جديدة من الزمن والطبيعة. وهو يمثل الحد الفاصل بين الشتاء القاسي والربيع المزهر، ما يمنحه بعدًا رمزيًا مرتبطًا بالأمل والتجدد.
وفي ما يتعلق بأصل العيد، تتعدد الروايات والأساطير التي تحاول تفسير نشأته، غير أن الرواية الأكثر انتشارًا في التراث الكردي تعود إلى نحو 700 عام قبل الميلاد، وترتبط بأسطورة البطل “كاوه الحداد” الذي قاد ثورة ضد الملك الظالم “زهاك”. وتروي الحكاية أن زهاك كان طاغية يستعبد الناس ويضحّي بالأطفال لإطعام أفاعٍ تنمو على كتفيه، إلى أن تمرّد عليه كاوه بعد أن فقد أبناءه، فقاد انتفاضة شعبية واقتحم قصره، وتمكن من القضاء عليه.
وعقب هذا الانتصار، أشعل كاوه النيران على قمم الجبال ليعلن للناس نهاية عهد الظلم وبداية عهد جديد من الحرية، فتحوّلت هذه الشعلة إلى رمز خالد يُشعل سنويًا في نوروز، كتجسيد لانتصار الخير على الشر. ومنذ ذلك الحين، أصبح يوم 21 آذار رمزًا للولادة الجديدة والحرية، وبداية السنة الكردية التي وصلت وفق التقويم الكردي إلى آلاف السنين.
وهكذا، لا يُعدّ نوروز مجرد عيد تقليدي، بل هو مناسبة تختزل تاريخًا طويلًا من الحضارات والأساطير، وتعكس قيم التجدد والحرية والانتماء، وتبقى رمزًا حيًّا لوحدة الشعوب التي تحتفي به، رغم اختلاف لغاتها وثقافاتها.


