حدث في مثل هذا اليوم: اغتيال كمال جنبلاط

حدث في مثل هذا اليوم: اغتيال كمال جنبلاط
المولد والنشأة
وُلد كمال جنبلاط في 6 كانون الأول 1917 في بلدة مختارة بجبل لبنان، لعائلة درزية عريقة ذات نفوذ سياسي واجتماعي بارز. فقد والده فؤاد جنبلاط إثر عملية اغتيال، فتولت والدته نظيرة جنبلاط رعايته وتعليمه، وكان لها تأثير كبير على تكوين شخصيته ومساره المستقبلي.
نشأ جنبلاط في أسرة صغيرة، حيث كانت له شقيقتان: ليلى التي توفيت في سن الرابعة بسبب الحمى، وليندا التي تزوجت من حكمت جنبلاط قبل أن تُغتال في منزلها بالعاصمة بيروت في 27 أيار 1976.
في عام 1948، تزوج كمال جنبلاط من مي أرسلان ابنة الأمير شكيب أرسلان، المعروفة بثقافتها الواسعة، ورُزقا بعد عام بابنهما الوحيد وليد.
التجربة السياسية
دخل كمال جنبلاط الحياة السياسية رسمياً في عام 1943، حين كان يبلغ من العمر 25 عاماً، بفوزه بمقعد في مجلس النواب اللبناني. وفي أول خطاب له تحت قبة البرلمان، أكد دعمه الكامل لاستقلال لبنان، داعياً إلى توحيد الجهود بين الشعب والحكومة لتحقيق هذا الهدف الوطني.
بعد استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي في العام نفسه، تابع جنبلاط أداء الحكومات الجديدة، مركزاً على قضايا التنمية والإصلاح الاجتماعي. لكن ضعف الإدارة وغياب التوجهات الشعبية الداعمة للتغيير دفعاه سريعاً إلى الانتقال من موقع الموالاة إلى صفوف المعارضة، متبنيا مواقف نقدية للسلطة.
في عام 1946، شارك جنبلاط مع عدد من الشخصيات السياسية البارزة في توقيع عريضة وُجهت إلى رئيس الجمهورية بشارة الخوري، دعت إلى تشكيل حكومة من شخصيات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة، حماية لاستقلال البلاد الذي اعتبره مهدداً بالضياع.
ومع نهاية العام، شُكّلت حكومة جديدة أسندت إليه ثلاث حقائب وزارية دفعة واحدة: الاقتصاد الوطني والزراعة والشؤون الاجتماعية، في أول تجربة وزارية له. خلال توليه هذه المناصب، خاض معركة حاسمة ضد الفساد الإداري، حتى وصل إلى حد زيارة المرافق الحكومية والجمارك بنفسه لكشف التجاوزات. لكنه اكتشف أن الفساد عميق ومتجذر، وأن معالجته تتطلب إصلاحات جذرية، فقدم استقالته في خطوة لاقت صدى واسعاً.
أثرت هذه الاستقالة بشكل حاد على علاقته بالرئيس بشارة الخوري، ووصل الخلاف بينهما إلى ذروته في مهرجان دير القمر التاريخي، الذي شكّل محطة حاسمة أسهمت في نهاية عهد الخوري وسقوطه عام 1952.
تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي ودور كمال جنبلاط
بين عامي 1947 و1949، عمل كمال جنبلاط مع نخبة من المفكرين والسياسيين اللبنانيين، من بينهم فؤاد رزق وعبد الله الحاج وسعيد فريحة وأنور الفطايري، على وضع الأسس الفكرية والبرنامج السياسي لمشروع جديد أدى إلى تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي رسم جنبلاط بنفسه مبادئه ورؤيته.
وفي الأول من مايو 1949 أعلن رسمياً عن تأسيس الحزب، وألقى جنبلاط خطاباً أمام العمال والفلاحين وأصحاب الحرف قال فيه: “في يوم العمال، بين الفلاحين والصناع وأرباب الحرف القابضين بأيديهم على القوى الكامنة في الشعب نعلن عن ولادة الحزب التقدمي الاشتراكي. نعم سيكون لنا أعداء، لكنهم أيضاً أعداء التقدم والتطور والحياة الإنسانية الشريفة”.
واجه الحزب منذ بداياته تحديات كبيرة نتيجة الواقع اللبناني القائم على التنوع الطائفي وضعف الانتماء الوطني، فبادر جنبلاط عام 1951 إلى تأسيس الجبهة الاشتراكية التي جمعت القوى اليسارية والقومية والتقدمية في إطار واحد.
ومع وصول الرئيس كميل شمعون إلى الحكم، اتخذ جنبلاط موقف المعارضة، معتبراً سياسات شمعون رجعية ومعادية للعروبة، لا سيما مع سعيه إلى ربط لبنان بالغرب والولايات المتحدة وحتى إسرائيل، في مواجهة مشروع القومية العربية بقيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
بلغ الخلاف ذروته خلال أزمة 1958، حين اندلعت مواجهات محدودة بين أنصار شمعون ومعارضيه، فوقف جنبلاط إلى جانب التيار القومي ولعب دوراً أساسياً في تقويض سياسات شمعون والمساهمة في سقوطه، ليُنتخب بعدها فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في العام نفسه.
الدور الإصلاحي لكمال جنبلاط
خلال توليه وزارة التربية الوطنية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، عمل كمال جنبلاط على تأسيس مدارس ثانوية في المناطق المهمشة، بما في ذلك البقاع والشمال والجنوب اللبناني.
لاحقًا، شغل وزارة الداخلية في عهد الرئيس شارل الحلو، وسعى إلى تعزيز علاقة لبنان بمنظمة التحرير الفلسطينية وحماية اللاجئين الفلسطينيين من أي اعتداء.
برز موقفه الإنساني والسياسي بوضوح بعد نكبة 1948، إذ خصص مساحات واسعة من أراضيه الخاصة، بما فيها منطقة تل الزعتر، للاجئين الفلسطينيين. خلال توليه الحقائب الوزارية، حدد جنبلاط أهدافه الإصلاحية في عدة محاور:
فصل القوى العسكرية عن الأجهزة الأمنية.
ضمان حرية التظاهر وتشكيل الأحزاب.
دعم المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها.
إطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
رفع الرقابة الأمنية ومنح حرية السفر.
مع انتخاب سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية عام 1971، أبدى جنبلاط دعمه في البداية للعهد الجديد، لا سيما فيما يتعلق بالحريات العامة والإصلاحات الاجتماعية مثل تحسين الضمان الصحي وتخفيف الرقابة الأمنية.
إلا أنه اعترض بشدة على محاولات فرنجية تفكيك أو إلغاء المؤسسات التي أسسها فؤاد شهاب، والتي كانت تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.
تفاقمت الخلافات بينهما بعد صدامات عام 1973 بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية، إثر عملية اغتيال إسرائيلية استهدفت قيادات بارزة مثل كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار. رفض جنبلاط استخدام الجيش ضد المقاومة الفلسطينية، مؤكدًا حقها في الوجود والعمل داخل لبنان.
اغتياله
في صباح يوم 16 آذار 1977، تعرّض الزعيم اللبناني كمال جنبلاط لكمين مسلح في منطقة دير دوريت بجبل لبنان أثناء توجهه من بلدة بعقلين إلى كفرحيم. أسفر الهجوم عن مقتله على الفور عن عمر يناهز 59 عامًا، كما لقي سائقه وأحد مرافقيه حتفهم أيضًا.

