من ناسكٍ في جبال سوريا إلى هويةٍ لبنانية: قصة مار مارون

من ناسكٍ في جبال سوريا إلى هويةٍ لبنانية: قصة مار مارون
يحتفل المسيحيون في التاسع من شباط بعيد القديس مارون، الشخصية الروحية التي ينسب الموارنة جذورهم إليها، ويُعدّ هذا اليوم عطلة رسمية في لبنان حيث للموارنة حضور تاريخي وازن.
من هو مارون الناسك، وكيف تحوّل تأثيره الفردي إلى إرثٍ ديني استمر مئات السنين؟
اسم مارون، الذي يعني “السيّد”، من الأسماء الشائعة في لبنان، والقديس الذي حمله يُعدّ شفيع الطائفة المارونية، أكبر الطوائف المسيحية في البلاد. عاش مار مارون راهباً سريانياً متنسكاً في القرن الرابع للميلاد، في شمال سوريا، قرب جبال طوروس، في منطقة قورش القريبة من أنطاكية، إبّان الحكم الروماني. وتُعرف هذه المنطقة اليوم باسم النبي هوري، بين عفرين وحلب.
رغم تأثيره الواسع لاحقاً، لم تحظَ سيرة مارون باهتمام المؤرخين المعاصرين له، إذ انصبّ اهتمامهم في القرن الخامس على أخبار الملوك والأباطرة، لا على النساك الذين اختاروا حياة التقشف القاسي. لذلك لا يُذكر مارون إلا في مصدرين تاريخيين: رسالة وجّهها إليه البطريرك يوحنا ذهبي الفم عام 404 أو 405، وفصل من كتاب «تاريخ رهبان سوريا» لتيودوريتس أسقف قورش.
عاش مارون وحيداً على قمة جبل، وحوّل معبداً وثنياً إلى مكان للعبادة، مكتفياً بكوخ أو خيمة من جلد الماعز، وقضى معظم وقته في العراء، متعبداً ليلاً ونهاراً، في الحرّ والبرد، بحسب الروايات.
ذاع صيته بين القرى المجاورة، ونُسبت إليه قدرات على شفاء المرضى وطرد الأرواح الشريرة، إلى جانب اهتمامه بإرشاد زواره إلى الفضيلة ونبذ العداوة. هذا النهج الروحي جذب عدداً من التلاميذ، فكان مارون من روّاد مدرسة التنسك السورية، التي سار على خطاها لاحقاً قديسون مثل سمعان العمودي.
تاريخ وفاة مارون غير محسوم، ويرجّح أنه توفي نحو عام 410. وتنازعت القرى القريبة على جثمانه تكريماً له، ويُعتقد أن قرية براد في شمال سوريا احتفظت به وبُنيت كنيسة باسمه لم يبقَ منها سوى آثار قليلة.
لماذا يُحتفل بعيده في 9 شباط رغم غموض تاريخ وفاته؟
تشير روايات كنسية إلى أن البطاركة الموارنة اختاروا هذا التاريخ في القرن السابع عشر، بعد أن لم يكن عيده مُدرجاً في تقاويم الأعياد، فثُبّت اليوم لاحقاً تكريساً لمكانته الروحية.
مع ندرة الوثائق، اختلط التاريخ بالرواية. فلم يؤسس مارون جماعة دينية منظّمة، ولم ينشئ ديراً باسمه في حياته. لكن في القرن السادس، برز دير مار مارون على نهر العاصي، الذي أصبح لاحقاً محوراً لهوية رهبانية، قبل أن يتعرّض للتخريب إثر صراعات لاهوتية، ما دفع بعض رهبانه، وعلى رأسهم يوحنا مارون، إلى جبل لبنان، حيث تبلورت نواة الكنيسة المارونية.
وهكذا، من ناسكٍ متوحّد في جبلٍ سوري، إلى طائفةٍ امتدّ حضورها عبر القرون، ظلّ اسم مارون رمزاً للزهد والإيمان، ومرتكزاً لهوية دينية وتاريخية ما زالت حاضرة حتى اليوم.

دير مار مارون القديم: قصة قصر عمره أكثر من ألفي عام
يقع قصر البُناة، المعروف أيضًا باسم دير مار مارون أو قصر الراهب، على الضفة الشرقية لنهر العاصي بمحاذاة نبع عين الزرقاء. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 200 قبل الميلاد، حيث شُيّد ليكون مقرًا لإقامة العمّال الذين تولّوا حفر قنوات جرّ المياه من نهر العاصي إلى مملكة تدمر القديمة.
وفي عام 425 ميلادي، مُنح القصر لرهبان القديس مار مارون مكافأةً لهم على مواقفهم في مواجهة الحركة اليعقوبية، ليُحوَّل لاحقًا إلى مكان للتنسك والعبادة. وعمل الرهبان على توسيع القصر، فأضافوا إليه عددًا كبيرًا من الصوامع، وحوّلوه إلى دير ديني، كما حفروا بئرًا داخله يتصل بمجرى نهر العاصي


