
فنزويلا بعد اختطاف مادورو
خاص بِكَفّيكم: فنزويلا بين يدي واشنطن… استحواذ أميركي على أكبر احتياطيات نفطية بالعالم
كتبت صبحية الحمود: فنزويلا بعد اختطاف مادورو؛ شنّت واشنطن عملية هزّت أمريكا اللاتينية، في خطوة تُعدُّ الأبرز في تاريخ العلاقات الأميركية اللاتينية، حيث نفّذت عملية خاطفة في قلب كراكاس، أدّت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما جوًا إلى خارج البلاد. وبينما سارعت واشنطن لتبرير العملية بدوافع “أمنية وقانونية”… فجّر الإعلان صدمة وردود فعل دولية واسعة حول هذه الحادثة، حيث اعتُبِرَت هذه العملية تهديدًا صارخًا للسيادة الوطنية لفنزويلا، وجاءت بعد تصاعد التوترات بين واشنطن وكراكاس.
فما هي التداعيات الاقتصادية المحتملة على أسواق النفط العالمية بعد هذا الحدث؟ وهل يمكن اعتبار هذه العملية جزءًا من سياسة “العقوبات المباشرة” لإعادة هندسة أنظمة الحكم في العالم؟
من الشائعة إلى الإعلان الرسمي: كيف اختُطف مادورو في ساعات قليلة؟
من سائق حافلة إلى رئيس دولة. أصبح مادورو فجأة رهينة عملية استثنائية لم يشهد العالم لها مثيلًا، ونُقل جوًا بعيدًا عن بلاده وسط حراسة مشددة… في عرض صارخ للقوة الأميركية وجرأة غير مسبوقة في اختراق سيادة دولة كاملة. كانت العملية أشبه بفيلم أكشن عالمي. بدأ بغارات أميركية باغتت الدفاع الجوي الفنزويلي، تضمّنت أكثر من 140 طائرة انطلقت من أكثر من عشرين قاعدة أميركية. ووفّرت المقاتلات الغطاء الجوي، بينما تكفّلت الأقمار الاصطناعية الأميركية والتقنيات السيبرانية بتعطيل الرادارات الفنزويلية. وتحوّل الخبر من شائعة إلى إعلان رسمي من واشنطن يؤكّد اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما خارج البلاد، ووصفت كاراكاس العملية بأنها “عدوان غير مسبوق”، مؤكدة استمرارها بإدارة الدولة لمنع أي انفلات داخلي، ليترك اعتقال مادورو أثرًا تاريخيًا في السياسة والعسكرية الأميركية اللاتينية.
نُفذَتْ عملية الخطف بواسطة الوحدة الخاصة دلتا، المعروفة بسرية عملياتها وكفاءتها العالية، التي تتخصص في مكافحة الإرهاب، إنقاذ الرهائن، والتدخل السريع في أكثر مناطق النزاع خطورة، وتشترك في الإنزال الجوي المفاجئ، الاشتباك المباشر، وعمليات التخفي والاستخبارات الميدانية، وقد شاركت في أبرز المهام العالمية، من اعتقال صدام حسين إلى اغتيال أبو بكر البغدادي وقاسم سليماني، مما يجعلها واحدة من أقوى الوحدات العسكرية في العالم.
فنزويلا.. أرض النفط تحت حصار أميركي شامل بعد اختطاف مادورو!
فنزويلا، الدولة الغنية بأكبر احتياطيات نفط في العالم، توقفت صادراتها بالكامل بعد فرض الولايات المتحدة حصار شامل على جميع ناقلات النفط المتجهة إلى المياه الإقليمية للبلاد أو الخارجة منها، حيث يمثل الذهب الأسود قلب اقتصاد فنزويلا، فقد حوّل اكتشافه في أوائل القرن العشرين البلاد من اقتصاد زراعي إلى دولة ريعية تعتمد بشكل شبه كامل على عائداته. وعلى الرغم من دوره المركزي في التنمية والسياسات الاجتماعية، ظل القطاع النفطي عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الهيكلية، ما انعكس على استقرار الاقتصاد والسياسة الداخلية، ومع فرض الحصار الأميركي قالت مصادر مطلعة لوكالة رويترز إن الموانئ لم تتلقَّ أي طلبات للسماح للسفن بالإبحار، فيما أظهرت بيانات تتبع السفن أن بعض الناقلات المحمَّلة بالنفط والوقود لم تتحرك، وغادرت أخرى فارغة بعد انتظارها للتحميل.
ترامب يضع يده على الذهب الأسود الفنزويلي
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم السبت أن الولايات المتحدة “ستنشط بقوة” في قطاع النفط الفنزويلي. عقب اعتقال مادورو، وفي مؤتمر صحفي من منتجع مارالاغو، قال ترامب: “لدينا أعظم شركات النفط في العالم وسندخل بقوة في هذا القطاع”. مشددًا على أن واشنطن ستدفع بأكبر شركات النفط الأميركية إلى فنزويلا. وتابع أن الحظر الأميركي على النفط الفنزويلي لا يزال ساري المفعول بالكامل… وأن القوات الأميركية ستبقى في مواقعها حتى تحقيق جميع المطالب الأميركية.
فيما ويمثل النفط الفنزويلي حجر الأساس في الاستراتيجية الأميركية الجديدة للطاقة. إذ يمكن أن يغني بالكامل عن الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، ويمنح واشنطن السيطرة المطلقة على أكبر احتياطيات نفطية في العالم. وتمتلك فنزويلا ما يقارب 300 مليار برميل من النفط الخام. هذه كمية تكفي لتأمين احتياجات الولايات المتحدة لعقود… مما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في سوق النفط العالمي وهدفًا جذابًا لأي إدارة سياسة تطمح لتحقيق اكتفاء ذاتي في الطاقة وتقليل تعرضها لتقلبات أسواق الشرق الأوسط واحتكاكاتها السياسية. وبهذا الصدد واشنطن لم تكتفي بالمطالب السياسية أو الأمنية. بل سعت بشكل مباشر إلى الاستيلاء على موارد النفط والمعادن الحيوية، لتضمن بقاءها القوة المسيطرة على أسواق الطاقة العالمية.
ومع الدفع بأكبر شركات النفط الأميركية للعمل في فنزويلا، يسعى ترامب إلى تحويل البلاد إلى مصدر رئيسي للطاقة، قادر على تعويض أي فجوة محتملة من تقلبات الشرق الأوسط، ويمنح الولايات المتحدة نفوذًا استراتيجياً لا حدود له في سوق النفط العالمي.
من العقوبات الى العمل العسكري: اعتقال مادورو يهدّد نفوذ روسيا وإيران في أميركا اللاتينية
تجاوزت العملية ضد فنزويلا مجرد الضغط الاقتصادي لا بل أصبحت أداة تدخل عسكري مباشر تهدف إلى فرض تغيير سريع في أنظمة الحكم المعادية لمصالح واشنطن. حيث أن اعتقال مادورو ونقل السلطة بالقوة لا يهدد فقط استقرار كراكاس داخليًا، بل يضع حلفاءها “التقليديين” في موقف خطر مريب
روسيا وإيران، اللتان تعدان الداعمين الرئيسيين لنظام مادورو! تواجهان تهديدًا مباشرًا لقدرتيهما على ممارسة نفوذ سياسي واقتصادي في الشرق الأوسط أولاً وأميركا اللاتينية ثانيًا… بما في ذلك الاستثمار في قطاع النفط والموارد الاستراتيجية.
في الوقت ذاته، تجد كولومبيا وكوبا نفسيهما أمام احتمالية تصعيد أمني وعسكري أقوى على حدودهما نتيجة قرب العملية وتأثيراتها المباشرة على مصالحهما الإقليمية. العملية ارسلت رسالة لكل الأطراف الإقليمية والدولية: أي تحرك لدعم فنزويلا المعادية قد يجعله هدفًا مباشرًا للضغط الأميركي… ما يعيد رسم خريطة النفوذ في أميركا اللاتينية ويضع كل دولة أو جهة مرتبطة بالنظام الفنزويلي في دائرة الخطر المباشر! سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا، وتكرار خطف الرؤساء وهم في قصورهم، وتهدد حمايتهم
فنزويلا بعد اختطاف مادورو: صراع القوى العالمية على السلطة والموارد
عملية اعتقال مادورو تؤكد أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بضغط سياسي واقتصادي فقط. بل أصبحت تلجأ للعمل العسكري المباشر لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والسيطرة على الموارد الحيوية وضمان الهيمنة على أسواق الطاقة العالمية. ومع استمرار الحصار على النفط الفنزويلي والدفع بقوى اقتصادية وعسكرية نحو إعادة ترتيب النفوذ في المنطقة… يبدو أن أميركا اللاتينية مقبلة على مرحلة جديدة من التوترات الجيوسياسية والإقتصادية، التي تعيد رسم خريطة التحالفات العالمية، والتي تفتح الباب أمام صراعات مفتوحة على السلطة والموارد. فهل تكون نهاية اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط؟ وكيف ستغيّر واشنطن قواعد الطاقة العالمية بعد سيطرتها على فنزويلا؟



